دراسة مخرجات الابتعاث للتعليم في الخارج وسد الاحتياج المحلي ( وزارة الداخلية نموذجا) .
يشكّل الابتعاث الخارجي أحد أهم روافد بناء القدرات المؤسسية في وزارة الداخلية اليمنية، باعتباره وسيلة لرفع كفاءة منسوبيها العلمية والمهنية، وسد الفجوات التخصصية التي لا تتوافر لها قدرات تدريبية محلية كافية. غير أن نجاح منظومة الابتعاث لا يُقاس بعدد المبتعثين أو حجم المنح، وإنما بمدى ارتباطها بالاحتياجات الفعلية للوزارة، وبقدرة المبتعثين على توظيف ما اكتسبوه في تطوير الأداء ونقل المعرفة وبناء القدرات المؤسسية.
ويضم هذا الملف ثلاث أوراق عمل قُدّمت في ورشة عمل مركز خبراء للدراسات الاستراتيجية بالشراكة معى كلية التدريب في أكاديمية الشرطة اليمنية ، وتناولت: واقع الابتعاث الخارجي لمنسوبي وزارة الداخلية اليمنية، وآلية تحديد الاحتياجات التدريبية في الخارج، وآليات الاستفادة من مخرجات الابتعاث في تطوير الأداء الشرطي. وهي أوراق تكاملت لتقدّم رؤية عملية تنتقل بالابتعاث من ممارسة إدارية تقليدية إلى منظومة استراتيجية قائمة على التخطيط والقياس والأثر.
الورقة الاولى
ورقة عمل مقدمة للورشة التي يقيمها مركز خبراء للدراسات الاستراتيجية للفترة من 20-9-2026م
إعداد د. حميد ناجي أحمد.
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة البحثية واقع الابتعاث الخارجي لمنسوبي وزارة الداخلية اليمنية، مع التركيز على حصر التخصصات، وتقييم مدى تلبيتها لاحتياجات القطاعات الأمنية، وتحليل آليات تحديدها، وتقييم عملية استيعاب المبتعثين بعد عودتهم. وتخلص الورقة إلى أن منظومة الابتعاث اليمنية تواجه تحديات بنيوية جوهرية أبرزها غياب البيانات الرسمية، وتداخل الصلاحيات، وأزمات تمويلية حادة، وتحديات أمنية وسياسية تمر بها بالبلاد، مما يجعل تقييم الفعالية الكلية للمنظومة أمراً بالغ الصعوبة. كما تقدم الورقة توصيات لمعالجة هذه التحديات.
المقدمة:
يعد الابتعاث الخارجي إحدى الوسائل التي تتضمنها خطة الوزارة في تأهيل منسوبيها بهدف رفع كفاءتهم العلمية والمهنية للقيام بمهامهم على أكمل وجه. وتهدف هذه الورقة إلى تقديم دراسة تقييمية للواقع الراهن لآلية الابتعاث، من خلال حصر التخصصات، وتقييم سياسات التحديد والاستيعاب، ورصد التحديات الفنية والإدارية التي تواجهها.
أولاً: الإطار المنهجي:
تعتمد هذه الورقة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال استقراء البيانات المتاحة من الإعلانات الرسمية والتقارير الإعلامية الصادرة عن وزارة الداخلية والجهات ذات العلاقة. ويواجه البحث تحدياً جوهرياً يتمثل في شح البيانات الإحصائية الرسمية والمفصلة المنشورة حول أعداد المبتعثين وتخصصاتهم، وهو ما سيُعالَج كأحد التحديات البنيوية في القسم الخاص بالتحديات الراهنة.
ثانياً: حصر أعداد الخريجين وتصنيف التخصصات:
نظراً لعدم حصول الباحث على بيانات عن الخريجين العائدين من الابتعاث الخارجي وتخصصاتهم فقد اقتصر الأمر على عينة أشارت إليها أحدى المصادر
- في العام (2022م)، ابتعثت الوزارة 42 دارساً من منتسبيها للدراسات العليا والتأهيل في كليات وأكاديميات الشرطة بعدد من الدول العربية والإسلامية.
- تم ابتعاث 30 فرداً إلى السودان ضمن برنامج إعداد مدربين.
- تم إيفاد 10 كوادر لدراسة الدكتوراه في الخارج في مجال العلوم الأمنية، بعد إجراء المفاضلة وفقاً لاحتياجات الوزارة.
التخصصات الأمنية والشرطية: تشمل الدراسات العليا (ماجستير) في المجالات الأمنية والشرطية في أكاديمية الشرطة بتركيا، ودكتوراه في العلوم الأمنية، وتأهيل لما بعد الثانوية في كليات الشرطة (السودان، قطر، السعودية).
ثالثاً: نحو رؤية استراتيجية – ماذا نريد؟
تحديد الأولويات المستقبلية المقترحة للوزارة على النحو التالي :
نقترح خمس أولويات عاجلة:
- الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية.
- الأدلة الجنائية والطب الشرعي الرقمي.
- إدارة الأزمات والكوارث ومكافحة الإرهاب.
- القانون الدولي وحقوق الإنسان في العمل الشرطي.
- إدارة الموارد البشرية والقيادة الأمنية الحديثة.
رابعاً: آلية تحديد التخصصات العلمية للمبتعثين:
تشير الأدلة إلى أن الوزارة هي الجهة التي تحدد التخصصات، وليس المبتعث، وذلك وفقاً للآتي:
- الجهة المخولة: المجلس الأعلى للشرطة هو الجهة العليا التي تقر قرارات الابتعاث، بناءً على توصية من لجنة فنية منبثقة عنه. كما تم التأكيد على أن أكاديمية الشرطة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ابتعاث منسوبيها لدراسة الماجستير والدكتوراه خارج البلاد، وفقاً للاحتياجات الأمنية.
- آلية الاختيار: تتم عبر لجنة فنية تُجري المفاضلة بين المرشحين وفقاً لمعايير محددة تشمل: احتياجات الوزارة، وتقدير ودرجات التخرج، والانضباط، وتقارير الكفاءة السنوية.
- طبيعة التخصصات: تُحدد التخصصات في المجالات الأمنية المتخصصة التي تحتاجها البلاد، وليس وفقاً لرغبات
خامساً: تقييم استيعاب المبتعثين بعد عودتهم:
للأسف الشديد لم يحصل الباحث على معلومات مفصلة حول آلية استيعاب المبتعثين بعد تخرجهم. ومع ذلك، يمكن استخلاص بعض المؤشرات:
سادساً: تقييم الاستيعاب بعد العودة:
يمكن أن نقيم عبر ثلاثة أسئلة:
- هل عاد المبتعث لنفس إدارته أم نقل لمكان لا علاقة له بتخصصه؟
- هل تم تكليفه بمهام تستفيد من تخصصه خلال 6 أشهر من العودة؟
- هل نقل خبرته للآخرين عبر تدريب داخلي؟
سابعاً: التحديات الراهنة:
1: التحديات الفنية والإدارية التي تواجه الابتعاث:
- غياب البيانات والمعلومات: ندرة الإحصاءات الرسمية المحدثة حول أعداد المبتعثين وتخصصاتهم ومصيرهم الوظيفي أكبر تحدٍ يواجه أي تقييم موضوعي.
- تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق: تشير المصادر إلى وجود اختلالات في عملية الابتعاث، مما استدعى إعادة تنظيم الصلاحيات عبر المجلس الأعلى للشرطة.
- الأزمة المالية والتمويلية: عدم صرف المستحقات المالية للمبتعثين في الخارج (كما حدث مع مبتعثي تركيا) يمثل تحدياً حاداً، سببه رفض وزارة الداخلية خصم المنح الدراسية من مخصصاتها، وعدم اعتماد كشوف الإيفاد من رئاسة الوزراء. هذا الوضع يهدد استمرارهم الدراسي ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص.
2: التحديات الأمنية والسياسية:
أدت الحرب في السودان إلى إجلاء الطلاب المبتعثين هناك، مما سبب إرباكاً للمبتعثين وانقطاعهم عن مواصلة الدراسة، لم نحصل على معلومات كيف تم معالجة مشكلتهم؟
3: التحديات التي تواجه استيعاب المبتعثين بعد العودة:
- صعوبات التخطيط الاستراتيجي: يفتقر النظام إلى آلية تقييم دورية لقياس مدى استيعاب المبتعثين في وظائف ملائمة لتخصصاتهم، مما قد يؤدي إلى هدر الموارد البشرية والمالية .
ثامناً: التوصيات:
- إنشاء قاعدة بيانات مركزية: للمبتعثين تتضمن بياناتهم الأكاديمية والوظيفية، مع نشر تقارير دورية.
- تفعيل دور المجلس الأعلى للشرطة: لضمان مركزية قرارات الابتعاث وشفافيتها، بعيداً عن المحسوبية.
- معالجة الأزمة التمويلية بشكل جذري: بتخصيص بند مستقل في الموازنة لمستحقات المبتعثين، واعتماد كشوف الإيفاد بشكل فوري.
- تطوير آلية تقييم المواءمة: لقياس مدى توافق مخرجات الابتعاث مع الاحتياجات الفعلية للقطاعات الأمنية بشكل دوري.
- تعزيز التنسيق مع إدارات الموارد البشرية: لضمان استيعاب المبتعثين في وظائف ملائمة لتخصصاتهم فور عودتهم.
. إنشاء “وحدة إدارة الابتعاث” في كلية التدريب تكون هي المخولة الوحيدة لتحديد التخصصات.
- وقف الابتعاث في التخصصات العامة لمدة عامين والتركيز على خمسة تخصصات نادرة فقط.
- إلزام كل مبتعث عائد بتقديم “خطة نقل المعرفة.
- ربط الترقية بعد العودة بتطبيق التخصص.
- إنشاء منصة إلكترونية لتتبع المبتعثين قبل وأثناء وبعد الابتعاث.
الخاتمة:
تعاني منظومة ابتعاث وزارة الداخلية اليمنية من تحديات بنيوية عميقة تعيق تحقيق أهدافها، أبرزها غياب البيانات والشفافية، والتداخل الإداري، والأزمات المالية الحادة، والتحديات الأمنية. وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات الإيجابية، إلا أن الإصلاح الجذري يتطلب إرادة سياسية وإدارية قوية لبناء منظومة ابتعاث حديثة وفعالة تخدم الأمن والاستقرار في اليمن.
الاستراتيجية بالشراكة مع كلية التدريب بأكاديمية الشرطة
- وضع منهج لتحديد وتحليل الاحتياجات التدريبية في أجهزة وزارة الداخلية، وتحديد الفجوات في التخصصات والمعارف والمهارات اللازمة لأداء الوظائف الأمنية.
- ربط التدريب بالمهام والاختصاصات الفعلية للوظائف، وتحسين الأداء الميداني وترتيب الاحتياجات التدريبية وفقًا للأولوية والأهمية الأمنية.
- استشراف الاحتياجات التدريبية المستقبلية الناتجة عن التطور الأمني والتقني
- الاحتياج التدريبي: هو مجموعة التخصصات أو المعارف أو المهارات أو القدرات أو السلوكيات المهنية التي يحتاج الموظف إلى اكتسابها أو تطويرها لتمكينه من أداء مهامه الحالية أو المستقبلية بالمستوى المطلوب.
- الفجوة التدريبية: هي الفرق بين مستوى الكفاءة أو الأداء المطلوب للوظيفة ومستوى الكفاءة أو الأداء الفعلي لشاغلها، متى ثبت أن معالجة هذا الفرق يمكن أن تتم من خلال التدريب.
- تحليل الاحتياجات التدريبية: هي عملية منهجية لجمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالوظائف والأفراد والأداء وبيئة العمل؛ بهدف تحديد الفجوات التدريبية وترتيبها وتحديد البرامج التدريبية المناسبة لها.
- الأداء المطلوب: هو مستوى الأداء الذي يفترض أن يحققه شاغل الوظيفة وفقًا للأنظمة واللوائح والوصف الوظيفي والمعايير المهنية المعتمدة.
- الأداء الفعلي: هو المستوى الذي يحققه الموظف بالفعل أثناء ممارسته لمهامه.
- الأولوية التدريبية: هي درجة أهمية الاحتياج التدريبي مقارنة بغيره، واستنادًا إلى تأثير الفجوة على العمل الأمني ودرجة خطورتها وإمكانية معالجتها بالتدريب الخارجي.
- الاحتياج التدريبي الداخلي: وهو احتياج يمكن تلبيته من خلال المؤسسات التدريبية داخل البلاد.
- الاحتياج التدريبي الخارجي: وهو احتياج يتطلب الاستفادة من خبرات أو برامج أو تقنيات أو تخصصات أو مؤسسات تعليمية وتدريبية خارج البلاد، لعدم توافر البديل المناسب محليًا، أو لوجود قيمة مضافة جوهرية في الحصول عليه من الخارج.
- الابتعاث الأكاديمي: ويشمل: البكالوريوس، الماجستير، الدكتوراه، الزمالات والتخصصات المهنية.
- الابتعاث التدريبي: ويشمل: الدورات التخصصية، التدريب العملي، ابتعاث إعداد المدربين، ويهدف إلى إعداد كوادر تستطيع بعد عودتها، نقل المعرفة، تدريب العاملين، تطوير المناهج، بناء برامج داخلية، إنشاء قدرات تدريبية مستدامة.
- الابتعاث التخصصي النوعي: وهو التدريب الذي يرتبط بتخصصات دقيقة قد لا تتوفر محليًا، منها:
- الأدلة الجنائية المتقدمة مثل (البصمة الوراثية، بصمة العين، بصمة الصوت، وغيرها).
- الأدلة الرقمية.
- مكافحة الجرائم الإلكترونية.
- التقنيات الأمنية الحديثة، مثل تحليل المعلومات الجنائية.
- المعمل الجنائي والطب الشرعي.
- أنظمة الاتصالات الأمنية.
- إدارة الأزمات والكوارث.
- التقنيات الحديثة في العمل الشرطي، مثل الذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي.
- الابتعاث المرتبط بنقل المعرفة (الزيارات الميدانية): وهو إرسال مجموعة مختارة من الكوادر العاملين في جهاز أو مؤسسة من مؤسسات الشرطة لزيارة جهاز أو مؤسسة الشرطة المقابل في دولة متقدمة بهدف العودة بنقل المعرفة والخبرة وتوطينها داخل أجهزة ومؤسسات الشرطة اليمنية.
- البعثات والمنح الخارجية: مثل المنح والمقاعد الخارجية المقدمة من الدول الصديقة، من المؤسسات التعليمية، من المنظمات الدولية، من المؤسسات المتخصصة.
- المنح الممولة من الحكومة: مثل بعثات التعليم العالي.
- المنح الممولة من وزارة الداخلية.
- ما الوظيفة أو التخصص المطلوب؟
- ما المهمة أو المهارة؟
- ما مستوى الكفاءة الحالي، وما الكفاءة المطلوبة؟
- كم عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى تطوير؟
- هل الاحتياج حالي أم مستقبلي؟
- هل يوجد التدريب داخل البلاد؟
- هل توجد مؤسسة تدريبية قادرة على تقديمه؟
- هل مستوى التدريب المحلي مناسب؟
- هل يمكن تطوير التدريب محليًا؟
- هل التدريب الخارجي يقدم قيمة إضافية جوهرية؟
- هل يحتاج التدريب إلى تقنية أو مختبر أو بيئة غير متاحة محليًا؟
الورقة الثالثة
آليات الاستفادة من مخرجات الابتعاث بوزارة الداخلية
رؤية عملية لتطوير الأداء الشرطي
المقدمة
إن القضية المحورية التي نناقشها في هذه الورقة البحثية لا تتوقف عند حدود إرسال المبتعث وحصوله على الشهادة العلمية، بل تتعداها إلى السؤال الأكثر أهمية وأثراً على واقعنا الأمني الميداني:
كيف نضمن استثمار هذه الخبرات والتخصصات النادرة بعد عودتها؟ وكيف نتحول من الاستفادة الفردية المحدودة إلى استدامة مؤسسية واضحة وملموسة؟
إن تأهيل الضباط والكوادر الأمنية في الخارج يكلف وزارة الداخلية جهوداً وإمكانيات كبيرة، وإذا لم نضع آلية تنظيمية واضحة تضمن توزيع هؤلاء الخريجين بحسب تخصصاتهم الدقيقة وتوطين المعارف التي اكتسبوها، فإن العائد من هذا الابتعاث يظل محدوداً وعلى مستوى شخصي فقط.
ومن هذا المنطلق، يسعدني أن أطرح في هذه الورقة عدد من المقترحات المتضمنة آليات إجرائية تمكن الوزارة من استثمار مخرجات الابتعاث لرفد القطاعات الأمنية بالخبرات النوعية وسد الاحتياجات الميدانية والإدارية.
أولاً: قاعدة بيانات رقمية للمبتعثين وتوزيعهم الوظيفي
إن أولى الخطوات للوصول إلى التكامل واستدامة الاستفادة تبدأ من تنظيم البيانات وإدارتها بصورة حديثة، وهنا نؤكد على ضرورة الانتقال العاجل من التقييد الورقي والسجلات التقليدية للمبتعثين إلى إنشـاء “قاعدة بيانات إلكترونية تخصصية للمبتعثين والكفاءات الأمنية”، تحت إشراف الإدارة العامة لشؤون الضباط والأفراد بالتنسيق والربط المباشر مع كلية التدريب وإدارة نظم المعلومات بالوزارة.
قاعدة البيانات هذه لن تكون مجرد أرشيف للأسماء والشهادات، بل ستتضمن سجلاً أكاديمياً وتخصصياً شاملاً يوضح التخصص العام والتخصص الدقيق لكل ضابط، وعنوان رسالته العلمية، أو البحث العملي الذي أعده، والمهارات الفنية التي اكتسبها، مثل الجرائم الإلكترونية، والأدلة الجنائية، وإدارة الأزمات، والتخطيط الأمني.
الهدف الأساسي من هذه القاعدة هو إيجاد ربط آلي ومباشر بين بيانات الضباط المبتعثين العائدين وبين دليل الاحتياجات وشواغر الوظائف في قطاعات ومصالح الوزارة المختلفة، سواء في الأمن العام، أو البحث الجنائي، أو الشؤون المالية، أو الخدمات الطبية، أو التخطيط والعمليات أو غيرها.
ومن خلال هذا الربط الإلكتروني، نؤسس لقاعدة تنظيمية صارمة وهي: أن يكون التعيين بحسب التخصص الدقيق”، فلا يُسمح بعد ذلك ـ مثلا ـ بتعيين الضابط المتخصص في الأدلة الجنائية أو البحث الجنائي في أعمال إدارية روتينية، كما لا يُسند للمتخصص في التخطيط والاستراتيجيات عمل لا يتناسب مع مؤهله، بل يتم توجيه كل خريج فور عودته إلى الإدارة أو القطاع الأمني الذي يحتاج تخصصه الدقيق بناءً على دراسة الملاءمة بين مخرجات الابتعاث واحتياج الميدان.
كما سيتم عبر قاعدة البيانات متابعة المسار الوظيفي للضابط المبتعث خلال السنوات الخمس الأولى من عودته، لقياس مدى استقراره وتأثيره الإيجابي في الموقع الذي عين فيه.
ثانياً: آليات نقل المعرفة والتدريب التخصصي داخل الوزارة
إن الابتعاث ليس إنجازاً أو تكريماً شخصياً للضابط المبتعث فحسب، بل هو استثمار معرفيا ووظيفيا لصالح وزارة الداخلية بأكملها، بالتالي فإن العلوم والخبرات التي حصل عليها المبتعث في الجامعات والأكاديميات الخارجية يجب ألا تبقى محصورة في النطاق الفردي، بل يجب تحويلها إلى حقائب ومعارف تدريبية يستفيد منها بقية الضباط والأفراد في الداخل.
ولتحقيق ذلك عمليا، نقترح الآليات التنفيذية التالية:
1ـ إقرار “برنامج التدريب والتأهيل الداخلي الملزم”:
وذلك من خلال تعديل لائحة الابتعاث لتتضمن بنداً يلزم كل ضابط أو موظف عائد من بعثة خارجية بتقديم خمسين ساعة تدريبية أو ورش عمل تخصصية خلال عامه الأول من العودة، تُنفذ في كلية الشرطة، أو كلية التدريب، أو المعاهد والمراكز الأمنية التابعة للوزارة.
2ـ إعداد “الملف التدريبي التخصصي”:
حيث يلزم الخريج عند استكمال إجراءات المباشرة بتقديم ملف تدريبي ورقي مع نسخة إلكترونية تتضمن ملخصاً لأحدث المعارف والتطبيقات العملية التي درسها بالخارج، لتكون مرجعاً يستفاد منه في تطوير المناهج والدورات التدريبية الداخلية.
3ـ تنظيم “الجلسات العلمية والأمنية الشهرية”:
وهي عبارة عن ورش عمل وجلسات علمية دورية تُعرض فيها نتائج أبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه الخاصة بالمبتعثين أمام القيادات الأمنية “وكلاء القطاعات ورؤساء المصالح ومدراء العموم”، مع التركيز بشكل أساسي على كيفية معالجة المشكلات الأمنية والميدانية في البيئة اليمنية بناءً على نتائج تلك الدراسات.
ثالثاً: إشراك الكفاءات في صناعة القرار والتخطيط الأمني
إن تطوير العمل الشرطي يستدعي دائماً تجسير الفجوة بين القيادة الميدانية وبين الخبرات الأكاديمية والفنية الحديثة العائدة من الخارج، وتفعيل دور هذه الكوادر في إعداد الخطط والسياسات الأمنية.
ولتحقيق هذه الغاية، نقترح الآليات التالية:
- تشكيل “فريق استشاري من الكوادر الأمنية الشابة”:
وهو فريق استشاري مرن يتبع مباشرة المكتب الاستشاري لمعالي الوزير، ويضم نخبة من المبتعثين العائدين في التخصصات النادرة، كالجرائم السيبرانية، وإدارة الأزمات، والقانون الدولي والأمني، والسلامة الجوية والمنافذ وغيرها، وتتمثل مهام هذا الفريق في تقديم الاستشارات الفنية والحلول العاجلة عند مواجهة قضايا أمنية طارئة، ومراجعة وتحديث اللوائح والأنظمة الأمنية، وتقديم الرأي الفني عند دراسة الاحتياجات التقنية والتجهيزات الخاصة بقطاعات الوزارة.
- تشكيل “فرق العمل الميدانية لمعالجة الظواهر الأمنية”:
فعند ظهور مشكلات أو ظواهر أمنية أو مرورية أو جنائية مستحدثة، يتم تشكيل فريق عمل تخصصي من المبتعثين العائدين لإعداد دراسة تقييم موقف وحلول إجرائية متكاملة وقابلة للتطبيق العملي.
- تطبيق أبحاث المبتعثين في الميدان:
من خلال تشكيل لجنة مشتركة من كلية التدريب والإدارة العامة للتخطيط لدراسة التوصيات الواردة في الرسائل العلمية للمبتعثين، واختيار التوصيات الصالحة للتطبيق العملي وتحويلها إلى مشروعات تنفذها الإدارات المختصة تحت إشراف الضابط الباحث نفسه.
رابعاً: مؤشرات قياس أثر الابتعاث على الأداء الأمني
ولضمان متابعة واستمرارية هذه الآليات وتحولها إلى سلوك مؤسسي دائم، نضع أربعة مؤشرات قياس وتقييم رئيسية يتم رفع تقاريرها دورياً للقيادة العليا:
المؤشر الأول:
نسبة التعيين بحسب التخصص الدقيق، والهدف هنا هو الوصول إلى نسبة لا تقل عن تسعين بالمئة من إجمالي العائدين.
المؤشر الثاني:
مؤشر نقل المعرفة والتدريب، ويُقاس بإنجاز الخمسين ساعة التدريبية والملفات المعرفية لكل مبتعث سنوياً.
المؤشر الثالث:
مؤشر الاستفادة من الأبحاث، بحيث يقدم كل متخصص دراسة أو خطة عمل واحدة على الأقل مستمدة من بحثه الأكاديمي.
المؤشر الرابع:
معدل استبقاء الكفاءات، وضمان عدم تسربها أو انتقالها خارج الوزارة بنسبة استبقاء تصل إلى خمسة وتسعين بالمئة.
خامساً: التحديات الميدانية والمعالجات الإجرائية
بطبيعة الحال، نعلم جميعاً أن أي تطوير إداري قد يواجه بعض التحديات الميدانية والإدارية، ومن أهمها:
- الروتين والجمود الإداري:
ويتمثل في صعوبة تقبل الأفكار الحديثة أحياناً أو التمسك بالأساليب القديمة، وتتم معالجة ذلك عبر صدور قرارات وتعليمات صريحة من القيادة العليا بدعم التطوير، وإشراك القيادات الميدانية في ورش العمل لإيضاح أهمية هذه الحلول في تسهيل ورفع كفاءة العمل الميداني.
- الفجوة بين الدراسة النظرية والواقع الميداني:
فقد يقدم الضابط المبتعث اقتراحات نظرية قد لا تتوافق كلياً مع القوانين أو الطبيعة الاجتماعية المحلية، وهنا نضع معالجة إجرائية تتمثل في إخضاع الضابط العائد لبرنامج “ممارسة ومباشرة ميدانية” لمدة ثلاثة أشهر في الإدارات والقطاعات الميدانية قبل تكليفه بوضع الدراسات أو الخطط، لضمان مواءمة الحلول العلمية مع واقع العمل الشرطي الميداني.
سادساً: خطة العمل التنفيذية (المراحل الأربع)
لتنفيذ هذه الرؤية بشكل سلس داخل وزارة الداخلية، نوصي باعتماد خطة عمل تنفيذية مقسمة على أربع مراحل متتالية خلال عام واحد:
المرحلة الأولى:
مرحلة التأسيس وإصدار اللوائح (خلال الأشهر الثلاثة الأولى): ويتم فيها إعداد وتعديل القرارات واللوائح المنظمة لإلزامية التوزيع بحسب التخصص ونقل المعرفة عبر الشؤون القانونية وكلية التدريب.
المرحلة الثانية:
مرحلة بناء قاعدة البيانات (خلال الأشهر من الثالث إلى السادس): ويتم خلالها إنشاء قاعدة بيانات المبتعثين وحصر وتصنيف جميع الخريجين خلال السنوات الخمس الماضية.
المرحلة الثالثة:
مرحلة التفعيل والتشغيل الميداني (خلال الأشهر من السادس إلى التاسع): وتشمل تشكيل الفريق الاستشاري وتفعيل برامج التدريب الداخلي والجلسات العلمية في كلية التدريب والمعاهد الأمنية.
المرحلة الرابعة:
مرحلة المتابعة وقياس الأثر (بنهاية السنة الأولى): ويتم فيها رفع التقرير السنوي الأول لقيادة الوزارة لمراجعة مؤشرات الأداء ومدى الاستفادة الميدانية الملموسة من المبتعثين.
سابعاً: التوصيات الختامية لورقة العمل
في ختام هذه الورقة، نرفع بالتوصيات الإجرائية التالية للقيادة العليا للوزارة:
- إقرار إنشاء ” قاعدة البيانات الإلكترونية للمبتعثين” وتكليف فريق عمل من نظم المعلومات، وشؤون الضباط والأفراد، وكلية التدريب بإدارتها وتغذيتها بالبيانات.
- اعتماد “شرط نقل المعرفة والتدريب الداخلي” بواقع خمسين ساعة كمتطلب إجباري ضمن التقييم السنوي وللترقية أو شغل المناصب الفنية.
- تشكيل “الفريق الاستشاري للكوادر الأمنية الشابة” لرفد قيادة الوزارة بالدراسات والرأي الفني المتخصص.
- إلزام الإدارات والقطاعات الأمنية بعدم تغيير التخصص الوظيفي للمبتعث العائد إلا بقرار مسبب من لجنة تخصصية تشكل لهذا الغرض.
- تأسيس “وحدة متابعة وتطبيق الأبحاث الأمنية” بكلية التدريب للاستفادة من أبحاث ورسائل المبتعثين وتحويلها إلى واقع عملي.
ختاماً:
نؤكد بأن الضباط والكوادر المبتعثين إلى الخارج هم رصيد أمني وكادر علمي متخصص لوزارة الداخلية، واستثمار هذا الرصيد وتنظيمه عبر آليات عمل واضحة سيوفر على الوزارة الكثير من الجهود، وسيرفع من كفاءة الأداء الميداني والإداري.
كما نؤكد بأن تطبيق هذه الآليات المرفوعة سيوفر ضمانة أكيدة بإذن الله في أن كل بعثة علمية أو دورة خارجية ستنعكس مباشرة أمناً واستقراراً، وتطويراً للعمل الشرطي، وبناءً لمؤسسة أمنية قوية قائمة على العلم والتخصص.
خلصت ورشة العمل التي نظّمها مركز خبراء للدراسات الاستراتيجية إلى جملة من المخرجات التي لا تمثل مجرد توصيات نظرية، بل تمثل الحد الأدنى المشترك للعمل المؤسسي القابل للتحويل إلى قرارات إدارية ولوائح تنفيذية. وقد جاءت هذه المخرجات كما يلي:
- اعتماد منهجية علمية لتحديد احتياجات الابتعاث وفق الفجوات التخصصية والاحتياجات الأمنية الحالية والمستقبلية.
- إنشاء منظومة متكاملة لإدارة الابتعاث تشمل التخطيط، والاختيار، والمتابعة، والتقييم وقياس العائد المؤسسي.
- إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية مركزية للمبتعثين وربطها بالتخصصات والاحتياجات والوظائف داخل الوزارة.
- تحقيق المواءمة بين تخصص المبتعث ومساره الوظيفي وضمان توظيف الكفاءات العائدة في مجالات تخصصها الدقيق.
- إلزام المبتعثين العائدين بنقل المعرفة والخبرات من خلال التدريب الداخلي والورش والجلسات العلمية التخصصية.
- إنشاء آلية لتطبيق أبحاث ورسائل المبتعثين وتحويل الدراسات القابلة للتطبيق إلى مشروعات وحلول تخدم العمل الأمني.
- توجيه الابتعاث نحو التخصصات الأمنية النوعية والمستقبلية وخاصة الأمن السيبراني، والأدلة الرقمية، والجرائم الإلكترونية، وإدارة الأزمات، والقيادة الأمنية.
- اعتماد مؤشرات لقياس أثر الابتعاث على الأداء المؤسسي والأمني، ومراجعة سياسات الابتعاث دوريًا في ضوء النتائج المحققة.
وبهذه المخرجات، لا تكون الورشة قد انتهت، بل تكون قد بدأت. فالمسألة لم تعد تتعلق بعدد المبتعثين أو حجم المنح، بل بقدرة الوزارة على تحويل كل بعثة علمية إلى قدرة مؤسسية، وكل عائد من الخارج إلى رصيد أمني ومعرفي يخدم الميدان. وإن تطبيق هذه الآليات، بإرادة سياسية وإدارية واضحة، كفيل بأن ينقل منظومة الابتعاث من دائرة الجهد المبعثر إلى دائرة الاستثمار الاستراتيجي في الأمن والاستقرار وبناء مؤسسة شرطية قائمة على العلم والتخصص.


لا تعليق